منصور بن أحمد الهروي
29
منية الراضي في رسائل القاضي
( ب ) دراسة فنية : رسائل « منية الراضي . . . » نثر عاطفى تميز بإخراج فنى طغى عليه وشكّل النصيب الأوفى من عناصره ذلك أنه يهيم بتشذيب الألفاظ وتوشية العبارات وتجويد المعاني وتوفير الصور ووسائل الإيقاع والانسجام الصوتي ، بقصد التقوية أو المبالغة أو الإمتاع أو غير ذلك من الأغراض الجمالية ، ولذلك يشيع فيه البديع ، وبخاصة السجع ، يتقيد به تقيدا صارما ، كما تشيع فيه المترادفات والمعاني المتكررة والتراكيب المتعاطفة ، وتتنوع الصيغ والعبارات وفواتح الجمل ، وهو نهج في الكتابة يعكس روح عصرها ، ويمثل لونا من ألوان المزاج الفنى ، له متذوقوه ، قد ينزلق فيه بعض الكتاب إلى هاوية القبح والرداءة حين لا تسعفهم قدراتهم ، أو حين يعمدون إلى الألفاظ الغريبة القلقة وإلى الموازنات الشكلية بين العبارات جذبا للأسماع وسترا للمعاني العاجزة الضعيفة ، وليس الهروي كذلك ، فلم يكن هدفه حشد الغريب والتباهى بالقدرة عليه ، بل هو حريص على انسجام عباراته وجمال رصفها ، في أساليب سهلة سليمة خالية من المبتذل العامي أو الخارج من الفصيح المتفق عليه ، وأمّا ما يظهر في ألفاظه من غرابة ، فمقبول غير بعيد ، يعوّل فيه على ثقافة المتلقى ، فهو كما يظهر من رسائله متمكن صاحب دراية بالعربية : ألفاظها وأساليبها ، قديمها ومولدها ، لا تخفى على مثله الديباجة العربية الخالصة ، يمدّه مدد وافر من طبع موات ، وتراث سبقه نقدىّ ولغوىّ يدقّق في الخبايا ويجنّب الوقوع في المآخذ ، وربما يرى القارئ - وهو محقّ - أن المعاني التي يعبر عنها ضئيلة قليلة ، وأنه يعمد من أجل ذلك إلى تهويلها والمبالغة فيها ، يستعين على ذلك بما يحشده حشدا من الصور ، تختلف مصادرها ، ولكنها تتلاحق وتتابع ، يأخذ بعضها برقاب بعض ، وقد يجد بعض المتلقين فيها متعة وجمالا وإرضاء لأذواقهم ، بينما يجد فيها آخرون تصنعا وتكلّفا وافتئاتا على فن أدبى آخر تلائمه هذه الصور ، إذا ما افتن فيها ، وهو الشعر . ومن أمثلة ذلك قول الهروي يهنئ وزيرا بولاية الوزارة : « . . . فالحمد للّه الذي أطلع النجم بعد أفوله ، وروّى العود قبل ذبوله ، وأجرى الماء بعد نضوبه ، وأدنى العزّ قبل غروبه ، وزيّن الأصل بالثمر ، وحلى البرج بالقمر ، وآنس العرين بالأسد ، وأهدى الروح إلى الجسد ، ونسخ ظل الليل بنور الشمس ، ومحا بسعد اليوم نحس الأمس ، ووصل فرع المجد بالأصل ، وجمع بين الحلى والنصل . . . » « 1 » . فالصور هنا تتوالى ، تلح على تأكيد معنى الفرحة بالوزير الجديد ، وما أحدثته ولايته من رد للأمور إلى نصابها ، فقد
--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 55 .